الخميس , نوفمبر 26 2020
أخبار عاجلة
الرئيسية / الثقافة / في قراءة نقدية لرواية "الساق فوق الساق":
مخلوف عامر: “أستصغر الذين يستخفون بما في الأدب الجزائري من متعة وتاريخ”

في قراءة نقدية لرواية "الساق فوق الساق":
مخلوف عامر: “أستصغر الذين يستخفون بما في الأدب الجزائري من متعة وتاريخ”

2016-11-12_193706
كتب الدكتور مخلوف عامر قراءة نقدية لأخر إصدارات الروائي أمين الزاوي، وقال أنه يستصغر شأْن أولئكم الذين مازالوا يستخفُّون بما في الأدب الجزائري من متعة وتاريخ من واجبهم أنْ يعرفوه، مشيرا أنه ليس مولعاً بالجداول والرسومات التي تقترحها المدارس النقدية المعاصرة رغم أنها ضرورية، وبعد عمر من ارتباطي بالأدب الجزائري، لا أملك إلا أنْ أعبر عن انطباعاتي التي مازالت فيها جمرة الطفولة متوهِّجة.
وأشار إلى أنَ قارئ الأدب العربي أو التاريخ العربي الإسلامي بشكل عام، وهو يقرأ عنوان الرواية سيستحضر عنوان كتاب “أحمد فارس الشدياق” الموْسوم بـ: “الساق على الساق فيما هو الفارياق”، والمعروف أنََ”الفارياق” كلمة منحوتة من اسم المؤلِّف، غير أن الزاوي، لا ينحت العنوان من اسمه، ولا يكتفي باستبدال”فوق” بـ”على”، بل يضيف عنواناً فرْعياً يخرق المألوف “في ثبوت رؤية هلال العُشََّاق”، وأضاف مخلوف عامر “لقد اعتدنا أن ثبوت الرؤية يتعلَّق بهلال رمضان والعيد، موْعد الصوم أو الإفطار. وبدءاً من هذا الخرْق تنشأ اللغة الأدبية. فهو عنوان يثير ويُغْري أيْضاً بالنسبة لبعض القُرَّاء.
لكنَّه قد يثبر ويستفز حساسية، قد تكون مُنفِّرة لدى بعض المتديِّنين وأنصاف المتعلِّمين من الذين اعتادوا أنْ ينطلقوا من أحكام مسبَّقة لا علاقة لها بقراءة النص الأدبي، وما قيمة الأدب إنْ لم يكنْ مثيراً مستفزّاً؟ !
ذلك ما حصل منذ نشأة الرواية في البلدان العربية حين واجهها بعضهم بنزعة أخلاقية رافضة.

وإنْ كانت صورة الغلاف وفيها امرأة رشيقة قد وضعت ساقاً فوق ساق، قد توحي لذوي النزعة الأخلاقية السيِّئة، أنها داعِرة تقف أمام ماخور تنتظر زبوناً، إلا أنه لا يمكن أنْ نتبيَّن حقيقتها إلا إذا أنهيْنا الرواية.
ولعلَّه من المفيد أنْ أورد افتتاحية الرواية بما قاله الكاتب تحت عنوان “بشغف”، حيث كتبتُ هذه الروية بشهيَّة على دفعة واحدة، وكأنني كنت أخشى أنْ أنْسى تفصيلاً من تفاصيلها التي أحملها جمراً في داخلي منذ سنوات. كتبتُها وأنا أردِّد: تصبحين على خير أيتها الطفولة، لكن هذه الأخيرة تأبى أنْ تنام، الطفولة لا تنام أبداً يا صاحبي”، وتابع الدكتور قائلا: “من هنا كنتُ بدوْري أتساءل: هل كتبت الرواية- فعلاً- دفعة واحدة؟ وهل استمرَّت الطفولة يقظى تأبى النوم؟ وهل غابت عن الكاتب تفاصيل أو اكتفى بالتلميح في مواضع لتستكشفها فطنة القارئ؟، إن أوَّل ما يمكنني أنْ أجزم به، هو أِّنِّي أصدِّق أنها كُتبت دفعة واحدة، لأني قرأتها دفعة واحدة، علْماً بأن القراءة أسهل، وتأخذ-حتْماً- زمناً أقصر، لكن الشرط الحاسم في الإقبال على القراءة والجلوس إليها ساعات متوالية، أنْ يتوفَّر في المكتوب عنصر التشويق، وهذا حقَّاً ما شدَّني إلى هذا النص الجميل، في زمن تعدَّدت فيه القنوات التلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي، وزَهِد الناس في الإقبال على الكتاب.
وأردف الكاتب في كتابته النقدية ان أمين الزاوي أثث للبناء الروائي، بأنْ يقدِّم لنا قرية يعود تاريخ أهلها إلى أسرة موريسكية طُردت يوماً من الأندلس وحرص الجدُّ الأوَّل على أنْ يبني ما يشبه قصره الأندلسي المهجور قسْراً. إلى أنْ توسَّعت من حوله البنايات فصارت قرية، ثم يضطرُّ سكَّانُها إلى الهجرة مرَّة أخرى بسبب القهر الاستعماري الفرنسي، إلى الإقامة في الحدود المغربية. ويعودون بعد إعلان الاستقلال إلى قريتهم حيث تُوزَّع عليهم المؤونة بواسطة الصليب الأحمر. فهو تاريخ يُحْكى على لسان طفل بقيت طفولتُه حاضرة في ذاكرته جمرة متَّقدة لا تنطفئ، إذا كان الكاتب قد أفرغ ما في جوفه دفعة واحدة، فإن ما عاشه لا ينسكب حبْراً على الورق دفعة واحدة. فحكايتُه تتداخل مع حكايات أخرى، تكسر التسلسل الزمني ولكنها تلتقي في تناغم واتِّساق، فعندما نسترجع مسار هذا الطفل على هذا النحو، يبدو متسلسلا كما ورد في الواقع، لولا أنَّه بيْن كل فترة أخرى يَسْحَب من ذاكرته ما يوقِف هذا التسلسل إلى حين.
حيث تدخل عمَّتُه “ميمونة”التي يحبها حدَّ العشق.امرأة جريئة متحرِّرة، يكفي أنْ تكشف عن ساقيْها أو يرنَّ خلخالها، ليلزم كل حاضِر حدودَه.
فإذا ما أخذنا كل شخصية على حِدة، فإنها تتقاطع مع حياة الطفل/الرواي/الكاتب. ولذلك لا تُقدَّم إلينا دفعة واحدة. فعلى سبيل التمثيل لا الحصر، العمَّة”ميمونة”لا تكتمل صورتها الحقيقية إلا مع نهاية الرواية ، فهي كانت في بيْت والديْها ثم انتقلت إلى بيْت الزوجية مع شيخ سُمّي (عبد الحميد) تيمُّناً بـ (ابن باديس)، ولكنَّه ظهر عميلاً لفرنسا فذُبح، ما اضطرَّها إلى العودة إلى أهلها للاعتناء بأبناء أخيها إدريس المهاجر في فرنسا.
ويضفي على المدعو”عويشة” هالة أسطورية، فهو الذي تنكَّر في لباس نسوي ليذبح الشيخ. وظل منذ ذلك الوقت يحمل اللباس النسوي ويشكِّل لُغْزاً مُحَيِّراً بالنسبة للسكَّان، لأن ما خَفيَ من حياته أنَّه يحمل أيضاً عبْء اغتصابه في السجن ويغادر القرية ليلة تزويجه بـ”ميمونة”زوجة الشيخ الذي سبق أنْ ذَبَحه.
فأمَّا عمُّه “إدريس” الذي هاجر إلى فرنسا واشتغل مع الحركة الوطنية الجزائرية( M.N.A).فقد صار مُطارداً تُنْقذه كوليت/يامنة التي لها قصَّتها الغريبة والمُغرية في آن.فقد هجرت البلد بسبب حَمْل غير شرْعي إلى أن أصبحت في باريس مناضلة في جبهة التحرير.تُنْقذه في باريس وتتزوَّجه في الجزائر لاحقاً.
وقال عامر أن الرواية لا تخلو من التاريخ والسياسة أيْضاً، لأنَّك ستصادف صراع الإخوة الأعداء غداة الاستقلال و”مصالي الحاج” والثورة الزراعية، ، ولكنَّك ستجدها مبثوثة في ثنايا النص بوصفها أحداثاً التقطها وهو طفل وبقيت منقوشة في ذهنه، ولا يملك اليوم إلا أنْ يرسمها كما علقت بذاكرته منذئذ.
وبقي حريصاً على إفشائها وخائفاً منْ أنْ ينسى بعض تفاصيلها، مضيفا: “وفي أية رواية يلعب المخزون الثقافي والوعْي السياسي دوره، سواء في صورة جدّ وقور يجمع في مناضل صعد إلى الجبل وترك زوجته في حماية أبيه، مضيفا: “استوقفتني مشاهد غاية في التصوير الأدبي، إذ يتتبَّع الكاتب القهوة التي يشربها الناس كل يوم، ولا يقدِّرون نشوتها حق قدْرها،يتحدَّث عنها على مدى صفحات منذ شرائها إلى تحميصها والروائح المنبعثة منها والصور التي نيطت بالفناجين حتى شُرْبها وآثار لذَّتها”.

لمستُ في هذه الرواية أنَّ أمين الزاوي، يتحدَّث إليَّ ببراءة الطفولة، وما شدَّني إليها أكثر، أنه يجعل من الطفل/الراوي، مُنَسِّقاً يجمع شتات الأحداث والذكريات، فيها التاريخ والسياسة،وينتقل من حكاية إلى أخرى بما يُسمَّى”حسن التخلُّص”، وتبقى الرواية عالقة في الذهن كشريط مُصوَّر، يستطيع القارئ أنْ يُحرِّكها في رحابة ذهنية، والجميل في كل ما يشدُّ، هذه اللغة الأدبية البسيطة التي كُتبت بها،لا تعترضك عقبة في تركيب العبارة، عبارة لا تصنُّع فيها،سلاسة في السرد بلا عناية زائدة في فقْه النحو. وتُمْتعك تلك المشاهد التي قد تكون جزءاً من حياتك ، ولكن ليست لديْك القدرة لأن تُعبِّر عنها، فلا يسعك –حينئذ- إلا أنْ تَخْلص إلى أنَّ الأدب الجميل جميل.

سامية شيلي

عن amine djemili

شاهد أيضاً

05 ديسمبر المقبل آخر أجل للتسجيل في برنامج “أمير الشعراء”

  فتحت لجنة ادارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبو ظبي، أبواب المشاركة ف برنامج “أمير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Watch Dragon ball super